الغزالي
176
إحياء علوم الدين
ولذلك السر وجود ، وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه ، فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا للحاضر ، ومثاله المرآة المجلوة إذ ليس لها لون في نفسها ، بل لونها لون الحاضر فيها وكذلك الزجاجة ، فإنها تحكي لون قرارها ، ولونها لون الحاضر فيها ، وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصور ، ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان ، ويعرب عن هذه الحقيقة أعنى سر القلب بالإضافة إلى ما يحضر فيه ، قول الشاعر : رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة ، منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد ، وقال أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت ، أو تدرعها بها أو حلولها فيها ، على ما اختلفت فيهم عباراتهم ، وهو غلط محض ، يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة ، إذ ظهر فيها لون الحمرة من مقابلها ، وإذا كان هذا غير لائق بعلم المعاملة فلنرجع إلى الغرض فقد ذكرنا تفاوت الدرجات في فهم المسموعات المقام الثاني بعد الفهم والتنزيل الوجد وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد ، أعنى الصوفية ، والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح ، فلننقل من أقوالهم ألفاظا ، ثم لنكشف عن الحقيقة فيه أما الصوفية : فقد قال ذو النون المصري رحمه الله : في السماع أنه وارد حق جاء يزعج القلوب إلى الحق ، فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق ، فكأنه عبّر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق ، وهو الذي يجده عند ورود وارد السماع ، إذ سمى السماع وارد حق ، وقال أبو الحسين الدراج مخبرا عما وجده في السماع : الوجد عبارة عما يوجد عند السماع ، وقال جال بي السماع في ميادين البهاء ، فأوجدني وجود الحق عند العطاء فسقاني بكأس الصفاء ، فأدركت به منازل الرضاء ، وأخرجني إلى رياض التنزه والفضاء